إذا اللّذاتُ في الدنيا استَفَاضَت =°= فإنّ الـدِّين أعذبُـها مَذاقا
لا مكسب للعبد أعز من الإيمان، ولا أسعد له من أن يعلم أنه متصف بما وصف الله به نفسه.
لقد وصف الله ذاته العلية بأنه هو السلام المؤمن، ووصف عبده تشريفا له بأنه مؤمن، وكفى بأهل الإيمان شرفا واعتزازا أن أنزل الله فيهم قوله: ﴿ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ المنافقون –8.
ولا شك أن كل من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر له حظ من الإيمان.
غير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثنا حديثا جعلنا ندرك منه أن من الناس من يذوقون طعم الإيمان، ومنهم من لا يذوقونه، ولو أنهم يدعونه.
وهذا الحديث هو ما رواه مسلم في صحيحه ( 49 ) عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « ذَاقَ طَعْمَ الإيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً ».
يتضح من هذا الحديث أن للإيمان طعما خاصا ثابتا بالشرع، وأن هذا الطعم لا يذوقه إلا بعض الناس، وأن الذائق له هو الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه و سلم رسولا.
ومن هذه الإشارات النبوية تتبين الميزات الخاصة بمذاق الإيمان:
ذلك أن الذوق المقصود في الحديث ما هو إلا ذوق روحاني لا جسماني، والفرق بينه وبين الذوق الجسماني هو نفس الفرق بين الروح والجسد، من علو وانخفاض، ولطافة وكثافة، وخلود وفناء.
وأن من ذاق هذا الطعم لابد أن يستزيد منه، شأنه في ذلك كشأن كل ذائق لأي شيء يستطيبه، وتستمتع به نفسه.
وأن هذا الطعم باعث لثوران الشهوة الروحية في المؤمن بحيث لا تسكن منه حرارة الجوع الروحي إلا بتكرار الاستمتاع به في كل تصرف مشروع، وبذلك الاستمتاع يتواصل انتعاش الروح في الذات المؤمنة.
كما يتبين أن من لم يبلغ درجة الرضا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه و سلم رسولا ما هو إلا عبد لم يذق طعم الإيمان بشهادة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
أما معنى الرضا بصفة عامة فهو الإحساس بالراحة النفسية وبالاطمئنان الروحي، بحيث لو حال بين الإنسان وبين هذا الإحساس أي حائل لتألم بمقدار حظه من الرضا.
وإن رضا المؤمن بالله ربا ينبعث من الاسم الكريم الذي ربط به رسول الله هذا المعنى ، وذلك الاسم هو الرب، إذ لم يقل: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رازقا، أو من رضي بالله غافرا، أو من رضي بالله قهارا أو جبارا إلى آخر أسماء الله الكريمة، ولكنه ربط الرضا باسم الرب( 1) لسر خاص في هذا الاسم الكريم، ويتضح هذا في ما يدل عليه اسم الرب من معنى التربية العامة الشاملة لتربية الأجسام والأرواح من الناس ومن كل المخلوقات إيجادا وإنماء وإبقاء على الحد الذي أثبته الله لذاته لما مدح نفسه بقوله: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
والتربية ما هي إلا إيصال الشيء إلى كماله بطريق التدرج، مع ما يصحب ذلك التدرج من رفق ورأفة ولطف، واختيار للأصلح والأوفق بالمربى، وهكذا نرى شأن الله سبحانه مع جميع العالمين، إذ إنه هو الذي دبر شؤونهم برأفة منه ورحمة، وإن الله بالناس لرؤوف رحيم.
فإذا لاحظ العبد هذا المعنى، وأدرك ماله من أبعاد تتجاوز حدود آماله في إصلاح ذاته وإسعادها، أدرك أنه لا أرفق به من ربه، ولا أعلم بصالح نفسه من خالقه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
إن هذا الإحساس المتيقظ لابد أن ينقدح منه إشراق في القلب، يستضيء به العبد في ظلمات مسالك الحياة، فيدرك أن جميع ما كلفه به ربه ما هو إلا لصالحه وخيره، فتسهل عليه ممارسة جميع التكاليف، ويستطيب ما قد يجد جسمه من المشاق لدى قيامه بالصالحات لأن تكليفه بها هو من تدبير ربه.
وهل من الحكمة أن لا يرضى الإنسان بوخز الإبرة التي يدخلها الطبيب البارع في جسده، إما ليحصنه بها ـ بإذن الله ـ من الأمراض، وإما ليعود بجسمه إلى الاستقامة والسلامة، مع أن كل تصرف إلهي قائم على ما فيه صلاح الإنسان.
فمن أدرك تصرفات ربه معه على هذا الفهم، وكان دائم الصلة بربه على هذا الإحساس في ما يأتي وفي ما يذر فقد رضي بالله ربا، ولم يطلب معه غيره، وطاب له مذاق اللذة الروحية على مستوى لا ترتقي إليه أي لذة في الحياة.
وأما الرضا بالإسلام دينا، فهو نتيجة الرضا بالله ربا، لأن مضمون شعائر الإسلام هو أمر رضيه الرب لعباده ، ومنّ به على من استجاب له منهم، وأشار إلى فضله عليهم فيه بقوله: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لُكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ المائدة–4.
فمن رضي بالله ربا جاءت تصرفاته على وفاق ما هو مقرر في هذا الدين، فهو بالله يأتي ما ينبغي، وهو بالله يذر ما لا ينبغي، مستشعرا في كل تصرفاته أنه لا حول له عن المعصية إلا بالله، ولا قوة له على الطاعة إلا بالله، وقد يرتقي إلى مستوى من يعلم أن الله معه حيثما كان وهذا هو مذاق الخواص من أهل الإيمان، أو لم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم في ما رواه الطبراني ( في الأوسط 8796 ) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: « أَفْضَلُ الإيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ ».
وأما الرضا بمحمد رسولا فنتيجة لازمة لمن رضي الإسلام دينا، أو ليس محمد صلى الله عليه و سلم هو الذي حد معالم الإسلام عن أمر الله تعالى وبإذنه؟ أو ليس الله هو الذي أمر باقتفاء أثره والاهتداء بهديه؟ أو ليست رسالته لم تترك شعبة من شعب الحياة إلا وضعت لها منهجا يرتفع به المؤمن إلى أعلى مستوى يمكن أن يبلغه الإنسان في هذه الحياة.
ومن هذه اللفتات يتبين أن الذائق لطعم الإيمان، هو الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه و سلم رسولا.
لكن من الناس من ينحرف مذاقه أو يتعطل لعلة من العلل، فهو قد يهتدي في حالة، ولا يهتدي في أخرى، لأن علته تحول بينه وبين الإحساس بما في سلوكه من خطر كبير.
ومن أمثلة هؤلاء من تحدث عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم في ما رواه البخاري في الأدب المفرد من أن رسول الله قيل له: يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل الخير وتتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال صلى الله عليه و سلم: « لاَ خَيْرَ فِيهَا هِيَ فِي النَّارِ ». قالوا وفلانة تصلي الصلاة المكتوبة، وتتصدق بأتوار من الأقط(القليل من الأقط، وهو لبن يابس مخفف) ولا تؤذي أحدا، فقال صلى الله عليه و سلم: « هِيَ فِي الْجَنَّةِ ».
وانحراف المذاق الروحي عَرَضٌ يحدث للإنسان مثلما يحدث له انحراف المذاق الجسمي تماما، وهو الذي تحدث عنه من قال:
كما أن من الناس من يصفو مذاقه الروحي فيجد لطعم الإيمان حلاوة فائقة تسمو على كل ما يعهد البشر في أي حلاوة في الدنيا، وهي التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم في ما رواه البخاري (20 ) ومسلم ( 60) عن أنس رضي الله عنه حيث قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ».
( 1 ) يقول الشيخ ابن عاشور في تفسيره لرب العالمين : والأظهر أنه مشتق من ربه بمعنى رباه وساسه، لا من ربه معناه ملكه، لأن الأول هو الأنسب هنا، إذ المراد أنه مدبر الخلائق، وسائس أمورها، ومبلغها غاية كمالها- التحرير و التنوير ج1 ص 152.