ألقيت في : الثامن من أكتوبر1989 محاضرة : القراءات من عناصر إعجاز القرآن
الندوة الإسلامية السادسة عشر حول الإعجاز القرآني
7-8-9 أكتوبر 1989
الجزء الأول :
المقدمة :
كثرة المؤلفات التي تناولت القراءات : جاوزت الألف
انتهج المؤلفون أربعة مناهج :
1- المنهج الأول : تعداد القراءات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ., و تعليل القراءات و الإعراب ...
2- المنهج الثاني : السند الذي من خلاله وصلتنا القراءات . و كذلك رجال السند و تراجمهم و أستاذتهم و تلاميذهم .
3- المنهج الثالث : يبحث في صحة القراءة و أركانها , كوجهة نظر علماء الفقه من حيث صحة الصلاة بها.. و وجهة نظر علماء الأصول من حيث صحة استمداد الأحكام , و وجهة نظر علماء التوحيد من حيث ما يجب اعتقاده من المسلمين .
4- المنهج الرابع : العناية بالقراءات الشاذة , من أجل التنبيه عليها .
من أين أتت هذه القراءات ؟
الحديث : البخاري 4754- مسلم 1936- أحمد 158
أن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فكدت أساوره في الصلاة فانتظرته حتى سلم فلببته فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت له كذبت فوالله إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أقوده فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وإنك أقرأتني سورة الفرقان فقال ( يا هشام أقرأها ) . فقرأها القراءة التي سمعته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( هكذا أنزلت ) . ثم قال ( اقرأ يا عمر ) . فقرأتها التي أقرأنيها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( هكذا أنزلت ) . ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن القرآن أنزل على سبعة حروف فاقرؤوا ما تيسر منه )
اشتهار نزول القرآن على سبعة أحرف بين الصحابة ( حادثة عثمان بن عفان )
الألفاظ القرآنية التي اختلف فيها حال النطق و اتحد معناها :
1- اللاءات بعد الصاد أو الظاء أو الطاء : صلاة , ظلال, طلاق .
يقول الشاطبي رحمه الله :
359- وَ غَلظَ وَرْشٌ فَتْحَ لامٍ لِصادِها === أو الطاءِ أو للظاءِ قبْلُ تَنَزُلَا
360 - إذا فُتِحَت أو سُكِنَت كَصَلاَتِهِم === و مَطْلَعِ أيضا ثم ظَل و يُوصَلاَ (1 )
حديث الترمذي ( 2944) : عن أُبَي بن كعب قال : لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم جبريل فقال يا جبريل إني بُعثتُ إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط قال يا محمد إن القرآن أُنزلَ على سبعة أحرف .
مثال من تونس : كلمة "هنا " تنطق بأربع لهجات مختلفة .
الاختلاف في كلمة " تابوت" الكلمة الوحيدة التي رسمت على لغة قريش فقط .
2- الياءات في آخر الكلمة مع الإمالة :
نطقها بين الفتحة و الكسرة : والضحى- سجى – قلى ...
رسمت بالياء و لم تكتب بالألف لأن إحدى القراءات تميل الألف سواء كانت الألف في آخر الكلمة أو وسطها : ضحاها- تلاها- جلاها.. أصلها ياءات: جليت – غشيت.. (2)
3- الفعل الماضي المبني للمجهول :
مثال : قِيل , جِيء ,شِيءَ ...
لا يمكن الجمع بين الضم و الكسرة , لأن أصل حركة الحرف الأول الضم . هنا نلجأ إلى الإشمام :
يقول الشاطبي في حرز الأماني و وجه التهاني :
447 - و قِيل و غِيض ثم جِيء يُشِمُها *** لدى كسْرِها ضَمًا رجالٌ لتكْمُلَا
448 - و حِيل بإشْمامٍ و سِيق كمَا رسا ***و سِيء و سِيئَت كان راوِيهِ أنْبَلَا ( 3 )
4- الهمزة الساكنة إذا كانت فاء الفعل :
مثال : مؤمن , بئر ... تقلب الهمزة مدا من جنس حركة الحرف الذي قبلها , هكذا : مومن , بير ..
يقول الشاطبي:
214 – إذا سكنَت فاءً من الفعل همزةٌ* * * فورش يريها حرف مد مبدلا
الألفاظ القرآنية المتحدة الرسم و المختلفة المعنى : و هنا الإعجاز
1- في سورة الفرقان :
" تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) "
و قرأ خلف البغدادي " سُرُجًا "
فائدة و توضيح :
كتاب الوحي: الخلفاء الأربعة و عبدالله بن سعد بن أبي سرح و خاصة زيد بن ثابت الأنصاري ( يقطن قرب بيت الرسول صلى الله عليه و سلم )
فكانت كل ما نزلت آية كتبت في الحال
لخاف النخل لا سعف النخل
آخر آية نزلت : "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) " – البقرة .
غزوة نهاوند و اختلاف المسلمين
كتب عثمان سبعة مصاحف
المصحف الأم أو الإمام : لا تنقيط و لا شكل .
الإعجاز: السراج : الشمس - السرج : الشموس ( النجوم )
" عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) " – العلق - و لم يشترط الإيمان في الإنسان .
الإيجاز اللفظي والغنى المعنوي
2- في سورة الفاتحة :
" مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) "( نافع و ابن كثير و حمزة ) أو " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)" ( عاصم و الكسائي و يعقوب و خلف )
الملك : لا يعني أنه مالك – و المالك : لا يعني أنه ملك . و لكن الله جمع الصفتين في كلمة واحدة .
3 – في سورة البقرة :
" وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ " ( نافع , عاصم , يعقوب , الكسائي ) أو " وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى تَفْدُوهُمْ " ( قراءة حمزة ) أو " وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ " ( خلف ابن عامر ابن كثير )
كلمة أسرى = جمع قِلة
يقول ابن مالك : أفعِلةٌ أفعُلُ ثم فعلة *** ثُمَتَ أفعال جُمُوعُ قِلةٍ ( 4 )
أوزان خاصة بالجمع القليل أو الكثير
تفادوهم : من قبل طرفين
تفدوهم: من طرف واحد .
حتى لا يتضخم حجم المصحف : إعجاز في الاختصار .
4 – في سورة البقرة:
" فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) "
" فَتَلَقَّى آَدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) " ( قراءة عبدالله بن كثير)
فيه معنى مجازي و معنى حقيقي
المعنى الحقيقي: الله الذي ألهم آدم كلمات التوبة
المعنى المجازي : عناية الله بآدم جعلت الكلمات هي التي تلقَتْ آدمَ .
5 - في سورة الزخرف:
" وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَأُشهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) "
" وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) "
المعنى الأول واضح وهو تكريم للملائكة
المعنى الثاني رد على المشركين : إنهم عباد الله لا بنات الله
6 – في سورة الإسراء:
" قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)"
" قَالَ لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) "
علمتُ : هذا كلام موسى في أول الأمر
علمتَ : كلام موسى مخاطبا و محاجا فرعون و ربما في مجلس آخر .
7 – في سورة المائدة :
" إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ "
" إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ تَسْتَطِيعَ رَبَّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ " ( الكسائي)
انقسم قوم عيسى إلى قسمين : قسم متأدب مع الله فقال : هل تَستطيع أن تسأل ربَك .. و قسم جفاة في أدنى درجات الجهل قال : هل يَستطيع ربُك ..؟
8 – في سورة الأحزاب :
" وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) "( نافع, أبوجعفر ,ابن كثير)
" وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) "
الأولى : لو طلب منهم الفتنة لقاموا بها .
الثانية: لو طلب منهم الفتنة لغيرهم لقاموا بها .
9- في سورة آل عمران :
" وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ " ( نافع , ابن كثير , يعقوب , أبو عمرو )
" وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ "
الأولى : المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ،
الثانية : المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد عدوهم
10- في سورة الأعراف :
" قَالَ سَنَقَتُلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) "( نافع, أبوجعفر , ابن كثير )
" قَالَ سَنُقَتِِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) "
كلام فرعون قد يكون في جلستين مختلفتين :
الأولى : كأن الأمر بسيط و هين بالنسبة لفرعون الذي بدا هادئ الطبع
الثانية : هنا اشتد به الغضب فاستعمل صيغة التقتيل لا القتل فقط .
ما هي أركان القراءات الصحيحة ؟
1- أن تكون القراءة موافقة لرسم المصحف.
2- أن يوافق الوجه العربي
3- السند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
مثال : " إن هذان لساحران " و في قراءة أبي عمرو بن علاء البصري " إن هذين لساحران " ( في المصحف الذي وجهه عثمان إلى البصرة)
مثال آخر : البسملة
أن ينصب الرحمن أو أن يَرتَفع *** فالجر في الرحيم بالقطع ...
و إن يُجرََ فأجِزْ في الثاني *** ثلاثةَ الأوجه خد بياني
لغة يجوز قراءة الرحمنُ الرحيمُ بالرفع و لكن لا يجوز في القرآن
و يجوز بالنصب على أن المعنى أمدح الرحمنَ الرحيمَ
و للحديث صلة ......
_________________________________________________
(1) غلظ ورش أي فخم كل لام مفتوحة وقعت بعد حرف من هذه الأحرف الثلاثة : الصاد و الطاء و الظاء , سواء كانت اللام مخففة أم مشددة , متوسطة أم متطرفة , بشرط أن تكون الأحرف الثلاثة مفتوحة أو ساكنة .
(2) لم يمل قالون إمالة كبرى في القرآن إلا في كلمة " هار" من قوله " شفا جرف هار" في التوبة . و ليس لحفص إمالة في القرآن إلا في لفظ "مجراها" في سورة هود
(3) و كيفية الإشمام في هذه الأفعال أن تحرك الحرف الأول منها بحركة مركبة من حركتين ضمة وكسرة , و جزء الضمة مقدم وهو الأقل , و يليه جزء الكسرة وهو الأكثر , و لا يضبط هذا الإشمام إلا التلقي و الأخذ من أفواه الشيوخ المتقنين .
(4) جمع القلة يدل حقيقة على ثلاثة فما فوقها إلى العشرة وجمع الكثرة يدل على ما فوق العشرة إلى غير نهاية ويستعمل كل منهما في موضع الآخر مجازا .
وأمثلة جمع القلة أفعلة كأسلحة و أحمرة و ألسنة وأفعل كأشهر و أبحر وفعلة كفتية و صِبية و غلمة وأفعال كأسواط و أقلام و أجبال و أضلاع و أبيات.
وما عدا هذه الأربعة من جموع التكسير فجموع كثرة .
|