بإعلان وفاة الشيخ الفاضل سيدي عبد الرحمن خليف رحمه الله تعالى و رزق تونس و الأمة الإسلامية بفقدانه الصبر و السلوان، انهال على ذاكرتي سيل جارف من الذكريات، كان لا بد أن يعرفها الجيل الصاعد من أبنائنا و بناتنا حتى يزداد اعتزازهم بتونس و حتى تنفتح في وجوههم آفاق البحث و الدرس لمراحل من تاريخنا الحديث ظلت إلى اليوم في منطقة الظل.
أول ما عرفت الشيخ خليف كان في الطفولة حين ورث إمامة الجامع الأعظم بالقيروان عن الإمام الفاضل الشيخ الطاهر صدام، فأعطى للخطابة و الإمامة منعرجا في أواخر الخمسينات، تميز باللغة العربية السهلة من حيث الشكل وبالتعاطي مع الشأن الحضاري و السياسي من حيث المضمون. و تم تعيين الشيخ رحمه الله عام 1957 مديرا لفرع جامع الزيتونة المعمور بالقيروان، وهو الفرع الذي تأسس كنواة لأول تعليم ثانوي بمدينة الأغالبة، و كان التلاميذ قبل 1957 يقصدون مدينة سوسة للتعليم الثانوي أو تونس للدراسة بجامع الزيتونة المعمور. و صادف أن حصلت برعاية الله سبحانه على ما كان يسمى بالشهادة والسيزيام و كنت تلميذا بمدرسة الفتح القرآنية التي كانت مدرسة وقفية أي يمولها ما يوقفه المسلمون من أبناء القيروان للأيتام حتى يواصلوا تعليمهم وكنت أنا و كثيرون غيري من الأيتام مهددين بالرمي في الشوارع و الانحراف فاحتضننا الخيرون فيما كان في الحقيقة بمثابة منظمات المجتمع المدني التي مع الأسف قضت عليها الدولة فتعطلت وضاعت تاركة المجال للدولة وحدها . فالتحقت بالفرع الزيتوني و بالشعبة ألف التي تدرس العلوم بالعربية و اكتشفت بأن جارنا فضيلة الشيخ عبد الرحمن خليف هو المدير، و كنت من أبناء حي جامع عقبة لا تفصل بيتنا عن بيت الشيخ إلا أقل من مائة مترا في جزء من الحي يحمل اسم المطمر، مباشرة خلف الجامع و أمام سور القيروان.
و في هذا الفرع الزيتوني، كنت مشاغبا ، أميل مع رفاق الدراسة إلى التندر وابتداع أساليب التهريج و كنت مرة من المرات محل شكوى تقدم بها ضدي أستاذ مادة العلوم رحمه الله الصيدلي الحبيب مبارك، فبعث لي مدير الفرع شيخنا عبد الرحمن خليف يطلب حضوري إلى مكتبه، فاعتراني الخوف من عاقبة التهريج و وعدت نفسي و أنا أصعد السلم نحو مكتبه بالويل و الثبور و عظائم الأمور لما اقترفت يداي من شقاوة، و لكني فوجئت بالشيخ يهدأ من روعي ويقول لي بالحرف: يا أحمد، إن أستاذك الدكتور الصيدلي الحبيب مبارك تطوع للتدريس بلا أي مقابل و ترك صيدليته لكي يعلمك العلوم و أنت أسأت إليه فماذا تتصور رد فعل والدك سي الطيب رحمه الله لو كان حيا و سمع بصنيعك ؟ فواريت وجهي خجلا و ندما و أنا في حضرة المدير المهيب الذي اختار هذا العقاب على سواه و كانت لي في ذلك الموقف دروس و عبر و لم أعد إلى الشقاوة بعدها.
ثم جاءت الأزمة الخطيرة بين بورقيبة و الشيخ خليف على طول عام 1960 وكان والي القيروان في ذلك العهد عمر شاشية، و قرر الوالي بموافقة الرئيس بورقيبة نقل الشيخ خليف و الشيخ صالح البحري إلى سوسة كإجراء تعسفي عقابي على مواقف نبيلة و جريئة اتخذها الشيخان من سياسة بورقيبة. و عند بلوغ هذا الأمر إلى المصلين يوم الجمعة بدأت بوادر تمرد شعبي في القيروان كان هو أول ردة فعل تلقائية على دولة الاستقلال، و بلغت الحركة أقصاها في مظاهرة عظيمة خرجت من الجامع إلى وسط المدينة رافعة شعار: الله أكبر ما يمشيش! أي لا نوافق على نفي الشيخين. و بما أننا كنا تلاميذ الشيخ و مريديه فقد انضممنا عفويا للمظاهرة و أذكر أن أحد المتظاهرين طيب الذكر الحبيب الفريقي كتب على محفظتي البنية بالطباشير :" إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم" و شعرت بعقلي الصغير بأني مطالب برد التحية لشيخي خليف الذي كان حليما بي و بأن تلك الآية المكتوبة على محفظتي لا بد أن أطوف بها أرجاء المظاهرة.
و عندما تواصلت المظاهرة و حلت الساعة الحادية عشرة بدأت كتائب من الجيش تتوافد من سوسة و على الساعة منتصف النهار بدأ إطلاق النار بإذن شخصي من الرئيس بورقيبة و سقط خمس ضحايا من المتظاهرين رحمهم الله. أما أنا فظللت أحمل محفظتي إلى أن شعرت بصفعة قاسية تنزل على وجهي و يد تنتشلني و تجرني بقوة إلى البيت. كانت تلك أمي الأرملة التي خرجت من بيتنا تبحث عن ابنها عندما سمعت إطلاق الرصاص، و أذكر أنها كانت تسحبني و تمر بي من أمام الجنود وهي تمعن في ضربي كلما يراها الجنود كأنها تقول لهم ها أنا أعاقب هذا الشقي الضائع، و حينما تخلو إلي تقول لي أنت يتيم و ليس لنا من ولي و لا نصير و تصور لو أصابوك برصاصة من لي سواك يا مجنون!
و في الليلة نفسها تم فرض حالة الطوارئ و رأينا الشرطة تطوق بيت الشيخ عبد الرحمن خليف و تذهب به إلى تونس حيث نال أقصى الأحكام و كذلك فعلوا بالشيخ صالح البحري و بمئات من أبناء القيروان، تم إطلاق سراحهم تباعا في المناسبات التي يعلن بورقيبة فيها أصناف العفو.
رحم الله شيخنا و نفع بعلمه و حلمه و أدبه تونس و الأمة الإسلامية و جزا الله خيرا تلك المدرسة الإسلامية السمحاء ذات الكلمة الطيبة التي كأنها شجرة مباركة، و ستبقى بإذن الله.