عنـــوان المقــال : ألم يعلموا أن للأفاعي والفئران حقوقا في الإسلام؟
صدر بتاريخ : 2007.10.08 في الناس من يعتبرون هذا العنوان غريبا، وإلا فمتى وكيف تكون للحيوانات المؤذية حقوق؟
أكثر الناس يعرفون الآن أن للإنسان حقوقا، أما حقوق الحيوان فهي لديهم مجهولة أو مهدورة، وأكثر المفتونين بمنجزات هذا العصر رأيتهم يعتزون بما حملت للبشرية وثيقة حقوق الإنسان من راحة، ومن اطمئنان لم يسبق لهما في تاريخ الإنسانية مثيل.
كما رأيت كثيرا من حملة الأقلام تصدوا للمعجبين والمعتزين بما في تلك الوثيقة التاريخية، فأثبتوا لهم أن تعاليم الإسلام تمتاز عما في الوثيقة بأمرين عظيمين، وهما:
ـ الشمول الواسع الدقيق .
ـ والسبق التاريخي البعيد .
ولقد أردت أن أعرض في هذه الكلمة شيئا من تعاليم الإسلام الخاصة بحقوق الحيوان، حتى يتبين أن الإسلام لم يقتصر على الاهتمام بحقوق الإنسان فقط، بل إنه اعتنى بحقوق الحيوان كما اعتنى بحقوق الإنسان.
القرآن العظيم يبين لنا أن الله قد استخلف الإنسان في الأرض، وسخر له كل ما فيها، حتى تتوفر له كل مرافق الاستقرار، فقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ(1) ، وقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ , وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ(2) .
إن كل الحيوانات هي من جملة ما سخره الله للإنسان، ولكن مهما تختلف أجناس وأنواع الحيوان فهي لا تمثل إلا صنفين اثنين:
ـ صنف ينفع الإنسان ، ولكنه يؤذيه .
ـ وصنف ينفع الإنسان ولا يضره .
فمن الصنف الأول ما خلق الله من الأفاعي، فإن سمها إذا استخرجه الإنسان بعناية خاصة، ومزجه ببعض العقاقير، فإنه يكون دواءا ناجحا لبعض أمراض الإنسان.
والفئران أيضا تنفع الإنسان عند إجراء التجارب الصحية عليها، ولكنها ضارة للإنسان في غير هذه الحال.
إن هذا التمازج بين الإذاية والمنفعة ليس خاصا بالأفاعي والفئران، ولكنه يوجد في كل حيوان مؤذ للإنسان كالعقارب وأشباهها.
ثم إن الإنسان من حيث إن الله أباح له أن يأكل الحيوان فقد أذن له أن يذبحه، أما الحيوان الذي يؤذيه فقد أذن الله له أن يقتله.
وهكذا كان الإذن الإلهي في إزهاق روح الحيوان منحصرا في الذبح والقتل، ولكن الله تعالى قد أوجب في هاتين الحالتين على الإنسان حقوقا للحيوان.
ففي حال الذبح كان على الإنسان أن لا يقوم بالذبح، إلا على أحسن حال يمكن أن تريح الذبيح.
كذلك الأمر في حال قتل الإنسان للمؤذي، فإن عليه أن يقتله بصورة لا يجمع له فيها بين التعذيب مع ألم القتل.
ولقد ضبط رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية قتل المؤذي وذبح المسالم، وذلك فيما أخرجه مسلم ( 3615 ) عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: « إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ».
فإذا لاحظنا قوله صلى الله عليه وسلم: « فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ » تبين لنا أن الله وإن أذن بقتل المؤذيات، فإنه أوجب لها حقا في أنها لا تعذب عند إرادة قتلها، فلا يجيعها الإنسان حتى تموت، ولا يحرقها، ولا يغرقها، ولا يقطع أوصالها، وبكلمة جامعة يجب على الإنسان أن لا يقتلها بأي نوع من التعذيب أو القتل البطيء، لأن كل ذلك ليس من الإحسان الذي كتبه الرحمن وجعله حقا للحيوان.
وأما الحيوانات الأليفة للإنسان فحقوقها أظهر وأشهر سواء ما يكون عند الذبح أو قبله.
فمن حقها عند الذبح أن تكون آلة الذبح قد تم إعدادها وشحذها جيدا من قبل أن تقاد الشاة للذبح، وأن تقاد للذبح برفق، وأن لا تضجع إلا وقت الذبح مباشرة، وأن يجهز عليها بقوة وسرعة.
عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا أضجع شاة يريد أن يذبحها، وهو يحد شفرته، فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: « أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هَلاَّ حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا » رواه الحاكم (7670).
وفي سنن ابن ماجه( 3163 ) أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُحدّ الشّفار، وأن تُوارى عن البهائم وَقَالَ إِذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجْهِزْ .
إن من هذه الحيوانات ما جعل الله له إدراكا خاصا قد يتبينه الإنسان من الحيوان، وخصوصا عند الفزع والخوف، ولعل هذا هو ما يتضمنه أمر النبيء لنا بأن يكون الشحذ لآلة الذبح مخفيا عن الحيوان، وقد يتبين سر هذا الأمر من حادثة غريبة عجيبة، وهي أن رجلا أخذ يشحذ سكينا لذبح شاة، وكانت الشاة تلحظه، ثم ألقى الرجل السكين على الأرض، وذهب سريعا لأمر خطر له، وشغله عن الذبح، فلما عاد لإتمام عملية الذبح لم يجد السكين، حيث أنه يعلم أن المكان ما دخله أحد بعده، فجعل يبحث عن السكين، فهداه بصره إلى خط في التراب ممتد من الموضع الذي ترك فيه السكين إلى إحدى الحفر، فنظر في الحفرة فإذا السكين فيها، فأدرك الرجل أن الشاة هي التي جرت السكين، وألقتها في الحفرة تخلصا منها، ورغبة في السلامة من الذبح.
ولقد جعل الإسلام أيضا للحيوان حقا عند سلخه وتفصيل أجزائه، فإن كل ذلك لا ينبغي إلا بعد التأكد من موته، وانقطاع حركته تماما، فقد روى كل من الطبراني (12838) والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبيحة أن تفترس قبل أن تموت.
والناس ليسوا سواء في تعاملهم مع أنواع الحيوان، فمنهم من هو كقرة بن إياس رضي الله عنه ، فقد روي عنه الإمام أحمد في المسند (15039) أنه قال: قلت يا رسول الله، إني لآخذ الشاة لأذبحها فأرحمها، فقال صلى الله عليه وسلم: « وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ ».
ومنهم من هو كالمرأة التي روى البخاري ( 3223 ) من شأنها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: « عُذِّبَتْ اِمْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ سَقَتْهَا إِذَا حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ».
ومنهم من يتعفف عن قتل الحيوان المسالم عبثا، لأنه يحذر المساءلة والعقاب في يوم القيامة، فقد روى الإمام أحمد ( 6565 ) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ ذَبَحَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
وروى النسائي ( 4370 ) وابن حبان (5993 ) عن الشريد بن سويد أنه صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إلى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْهُ، يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلاَنًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ ».
إن صور العبث التي يتصرف بها الإنسان مع الحيوان كثيرة ومنها أن يتخذ الحيوان الحي هدفا لتعلم الرماية أو للمباراة فيها فقد روى البخاري ( 5091 ) أن سعيد بن جُبير قال كنت عند ابن عمر فمررنا بفتية نصبوا دجاجة يرمونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن النبيء صلى الله عليه وسلم لعن من مثّل بالحيوان.
كما روى الطبراني في الكبير ( 11709 )عن ابن عباس أن النبيء صلى الله عليه وسلم خرج على قوم قد نصبوا حماما حيا وهم يرمونه، فقال صلى الله عليه وسلم: « هَذِهِ الْمُجَثَّمَة لاَ يَحِلُّ أَكْلُهَا ». و المجثمة هو الحيوان يُنْصب ليكون هدفا للنبل والسهام حتى الموت .
وروى مسلم ( 3617 ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: « لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا ».
إن كل صور العبث بالحيوان محرمة في الإسلام، وكذلك ما يعتبره بعض الناس بعيدا عن العبث ولكن فيه إساءة بالغة، ومن أمثلة هذا النوع أن يعمد الإنسان إلى وسم الحيوان في وجهه بالنار(3) ولو وجه حمار.
فقد روى مسلم (3953)عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: مر النبيء صلى الله عليه وسلم على حمار قد وُسّم في وجهه فقال : « َ لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ ».
والمستهزئون بقيمة الوجه لا يقدرون منزلته، ولا يعلمون أن الوجه هو أحسن ما في كل مخلوق، وقد تقرر في الإسلام أن الوجوه لا تضرب ولو كان الوجه وجه حمار، فقد روى أبويعلى الموصلي في مسنده( 2094)عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبيء صلى الله عليه وسلم مر عليه بحمار قد وسم في وجهه، فقال: « ألم ألعن من فعل هذا ؟ ألا لا يوسمن في الوجه ، ولا يضربن في الوجه ».
ولو أراد الناس أن يتقصوا ما في الإسلام من عناية ومن رفق بالحيوان لرأوا العجب العجاب، ذلك لأن الإسلام لم ينه عن قتل الحيوان عبثا ولا عن تعذيبه فقط، ولكنه نهى عن أن يتعب الحيوان بلا فائدة، فقد روى أبو داود (2204 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: نهى النبيء أن توقف الدابة وصاحبها فوقها وهو يطيل الحديث فقال صلى الله عليه وسلم: « إِيَّاكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإنَّ اللهَ إنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبْلِغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشَقِّ الأنْفُسِ ».
كما نهى عن حرمانها من الرعي فقد روى الإمام أحمد (16967 ) وأبو داود (2185 )عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه أن النبيء صلى الله عليه وسلم مر ببعير مناخ على باب أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال أين صاحب هذا؟ فابْتُغِي فلم يُوجد، فقال صلى الله عليه وسلم: « اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ البَهَائِمِ المُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً ».
وفوق كل ذلك نهى عن كل ما يؤلم الحيوان عند الاستفادة منه، ولو كان المؤلم له مجرد خدش بالأظافر، فقد روى أحمد (15395 ) و الطبراني في الكبير(4469 ) عن سَوَادَةَ بْنَ الرَّبِيعِ رضي الله عنه قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَأَمَرَ لِي بِذَوْدٍ ثُمَّ قَالَ لِي : « إِذَا رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِكَ فَمُرْهُمْ فَلْيُحْسِنُوا غِذَاءَ رِبَاعِهِمْ وَمُرْهُمْ فَلْيُقَلِّمُوا أَظْفَارَهُمْ وَلَا يَعْبِطُوا بِهَا ضُرُوعَ مَوَاشِيهِمْ إِذَا حَلَبُوا ».
وأعجب من كل ذلك أنه أمر بتمكين الحيوان من رعي النبات الذي يستطيبه ويستسيغه أكثر من غيره ، فقد روى الطبراني عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: « إذَا رَكِبَ أَحَدُكُمْ دَابَّةً فَلْيَحْمِلْهَا عَلَى مَلاَذِهَا ».
أفلا يخجل الإنسان من مقارنة حقوق الحيوان في الإسلام بما يحدث في مصارعة المتحضرين للثيران، أو باعتزاز المفتونين بما في وثيقة حـقوق الإنسان؟ مقارنة بما هو مقرر له في الإسلام، عند هذا الحد أسكتني الشاعر القائل :
____________________________________________________
(1 سورة الجاثية 12.
(2 سورة يس 72 -70.
(3 الوسم هو كي بالنار، بواسطة حديدة محماة، تترك في موضع الكي علامة دائمة تميز الحيوان الموسوم عن أمثاله.